سيد محمد طنطاوي

458

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وخاطئة : اسم فاعل من خطئ فلان - كعلم - فهو خاطئ وهو الذي يأتي الذنب متعمدا ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة مبالغة في تعمد هذا الإنسان لارتكاب المنكر ، على حد قولهم : نهار صائم ، أي : صائم صاحبه ، ولأن الناصية هي مظهر الغرور والكبرياء . أي : لئن لم ينته هذا الفاجر المغرور عن كفره . . . لنذلنه إذلالا شديدا . . . ولنسحبنه إلى النار من ناصيته التي طالما كذبت بالحق ، وتعمدت ارتكاب المنكر . . . وقوله - سبحانه - : * ( فَلْيَدْعُ نادِيَه ) * رد على غروره وتفاخره بعشيرته ، فقد جاء في الحديث الشريف أن أبا جهل عندما نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن الصلاة ، نهره النبي صلى اللَّه عليه وسلم وزجره وأغلظ له القول . . . فقال أبو جهل : أتهددني يا محمد وأنا أكثر هذا الوادي ناديا ، فأنزل اللَّه - سبحانه - : * ( فَلْيَدْعُ نادِيَه . سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ) * . وأصل النادي : المكان الذي يجتمع فيه الناس للحديث ، ولا يسمى المكان بهذا الاسم إلا إذا كان معدا لهذا الغرض ، ومنه دار الندوة ، وهي دار كان أهل مكة يجتمعون فيها للتشاور في مختلف أمورهم ، وسمى بذلك لأن الناس يندون إليه ، أي : يذهبون إليه ، أو ينتدون فيه ، أي : يجتمعون للحديث فيه . يقال : ندا القوم ندوا - من باب غزا - إذا اجتمعوا . والأمر في قوله - تعالى - : * ( فَلْيَدْعُ ) * للتعجيز ، والكلام على حذف مضاف . أي : فليدع هذا الشقي المغرور أهله وعشيرته لإيذاء النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ولمنعه من الصلاة ، إن قدروا على ذلك ، فنحن من جانبنا سندع الزبانية ، وهم الملائكة الغلاظ الموكلون بعقاب هذا المغرور وأمثاله . ولفظ الزبانية في كلام العرب : يطلق على رجال الشرطة الذين يزبنون الناس ، أي : يدفعونهم إلى ما يريدون دفعهم إليه بقوة وشدة وغلظة ، جمع زبنيّة ، وأصل اشتقاقه من الزّبن ، وهو الدفع الشديد ، ومنه قولهم : حرب زبون ، إذا اشتد الدفع والقتال فيها ، وناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها . والمقصود بهاتين الآيتين ، التهكم بهذا الإنسان المغرور ، والاستخفاف به وبكل من يستنجد به ، ووعيده بأنه إن استمر في غروره ونهيه عن الصلاة فسيسلط اللَّه - تعالى - عليه ملائكة غلاظا شدادا . لا قبل له ولا لقومه بهم . وقوله - تعالى - : * ( كَلَّا لا تُطِعْه واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) * ردع آخر لهذا الكافر عن الغرور والبطر والطغيان ، وإبطال لدعواه أنه سيدع أهل ناديه ، وتأكيد لعجزه عن منع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عن الصلاة . أي : كلا ليس الأمر كما قال هذا المغرور من أن أهله وعشيرته سينصرونه ، وسيقفون إلى